تمثل ثقة الشعب في الحكومة عامل أساسي في إستقرار الدول ، باعتبار أن الحكومة هي سلطة الدولة. ويعني توفر الثقة أن المواطن على قناعةٍ بأن قادته يعملون للمصلحة العامة ، لكن الوقت الذي تتزعزع أو تغيب فيه هذه الثقة تدخل العلاقة بين الطرفين ( الحكومة والشعب ) في دائرة توترٍ قد تصل حد إحساس المواطن بغياب ظل الدولة ، وعندها قد يتجه الناس لانتزاع حقوقهم بأديهم حفاظاً على وجودهم . فالثقة تؤكد أن توقعات المواطن تتجه الى أن سياسات الحكومة توافق رغباته وتطلعاته ، لذلك يقوم العقد الإجتماعي بالأساس على حماية حقوق المواطنين ويقر مبدأ المشاركة بين الحكومة وقطاعات المجتمع الأخرى .

ما حدث الأحد الماضي في وادي السنقير شمال غرب مدينة بربر بولاية نهر النيل ، مظهرٌ من مظاهر إحساس المواطن بغياب الدولة ، فقد منحت الحكومة حق التنقيب عن الذهب لشركةٍ روسية في منطقةٍ يقول الأهالي أنهم أصحاب ملكية تاريخيةٍ فيها ، ضاربة في القدم ، حدث ذلك دون مشاركتهم في إتخاذ القرار ، أو مشاورتهم وتوضيح المنافع التي قد تعود للمنطقة جراء هذا العمل ودون حتى السماح لهم بالعمل مع الشركة . ولأن الحكومة ومؤسساتها تفتقر لوعي الحقوق ، وتتعامل مع مقدرات البلاد كملكية خاصة ، انفجرت الأوضاع في المنطقة ، وبعد محاولات الأهالي توضيج وجهة نظرهم لوالي ولاية نهر النيل دون جدوى ، دخلوا في اعتصامٍ في وقتٍ سابق استمر قرابة الشهرين ، ثم تجددت الإحتجاجات لتسفر عن أحداث الأحد الماضي ،راح ضحيتها أحد الأهالي وجرح خمسة آخرين .
ما أود مناقشته على ضوء هذه الحادثة نقطتان :
أولاً فإن روايات متواترة من شهود عيان تقول أن مطلق الرصاص على ضحية وادي السنقير هو جندي روسي من أفراد حراسة الشركة الروسية ، معتمد محلية بربر صرَّح لقناة الشروق بصعوبة تحديد من أطلق النار ، روسي أم من أفراد الشرطة ، بينما جزم والي الولاية بأن الجاني هو من الشرطة ، وهنا ، وفي سبيل منح حماية للشركة الروسية ، ألقى الوالي المسئولية على الشرطة ، وهذا ما يتطلب تقديم المتهم أو المتهمين للمحاكمة ، وقبلها الكشف عن هويتهم . تفريق المحتجين منذ بداية أحداث السنقير كان يتم عبر الغاز المسيل للدموع ، أن يتحول الأمر لإستخدام الرصاص الحي فهذه جريمة يتحملها الوالي إلى أن يقدِّم متهم أو متهمين للعدالة .
أسوأ ما في هذه الحادثة أن يشعر المواطن أن الذهب الذي تخرجه أرضه أقيم منه لدى الحكومة ، وأنها في سبيل ذلك على استعداد لتعريض حياة المواطنين للخطر على أيدي المستثمرين الأجانب ، في تواطؤٍ بينها والأجنبي على المواطن صاحب الأرض وحق الإنتفاع بها .
النقطة الثانية هي عدم ثقة المواطنين في جدية ورغبة الحكومة في حماية حقوقهم ، لذلك اضطر الأهالي ، بعد أن سلكوا السبل التي عبروا فيها عن اعتراضهم على ما يجرى على أرضهم ، اتجهوا للإحتجاج حول موقع الشركة ، وبعد إطلاق النار عليهم ، حرق الأهالي ، وفقاً لصحيفة سودان تربيون ، بعض ممتلكات الشركة الروسية ، وهذا يوضح فقدانهم الثقة في الحكومة ، واتجاههم لانتزاع حقوقهم بأنفسهم .
في وقتٍ سابق ، أُعلن عن إختفاء سيدة بالخرطوم ، وعندما لم يجد الأمر الجدية اللازمة من الشرطة ، تداعت عشيرة المفقودة وطالبت أفرادها بالبحث عنها . كذلك تظهر أصواتٌ بين الحين والآخر عند وقوع جرائم اغتصاب الأطفال خاصةً ، وبطء إجراءات التقاضي وتنفيذ الأحكام ، تظهر أصواتٌ تنادي بأخذ الحق باليد ومعاقبة الجناة خارج دوائر القضاء . يحدث ذلك عندما ( يرمي المواطن طوبة الدولة ) ويشعر أنه وجهاً لوجه مع قدره ، فيقرر أخذ حقه وحماية نفسه بنفسه ، هنا تكون قد غابت الدولة عن القيام بواجبها ، ومهَّدت الطريق للفوضى .


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.