أطلّ عرّاب نظام الإنقاذ على عثمان محمد طه من على شاشة قناة سودانية 24 فيما يشبه لقاء الفرصة الأخيرة لتقديم مرافعته حول مجرى الراهن السياسي السوداني على خلفية الحراك الثوري الذي إنطلقت شرارته من مدينة الحديد والنار في الأسبوع الثالث من ديسمبر 2018 . لم أكن لأنتظر كثيراً منه ولا من محاوره الذي يُجيد فن التلميع الأجوف والتظاهر بالحيادية والإلتز ام بالمهنية التي تفصله عنها مسافات طويلة . القاسم المشترك الأعظم بين كل المقاربات التي قدمها رجالات الإنقاذ بدءاً من رئيس الجمهورية، مروراً بمدير جهاو الأمن والمخابرات الوطني، مروراً بأحمد هارون والي ولاية شمال كردفان في الحوار الذي جمعه بالصحفي النزيه فيصل محمد صالح وإنتهاءاً بعلي عثمان هو ضحالة الأفق السياسي والتبسيط المخل لتشخيص الأزمة ودواعي إندلاعها. ولعل ربط الأزمة بحركة عبدالواحد نور لايخلو من إيحاءات عنصرية مفادها أنّ بديل الإنقاذ سيكون مجموعة من الأفارقة الذين لا يستحقون تمثيلكم أيها الشعب العربي الأصيل الذي ينتهي نسبه للعبّاس . فأهلية من يحق له حكم السودان لا ترتبط بالكفاءة، بل ترتبط بالحسب والنسب المزعوم. هذا التبسيط فيه تجنّي كبير على الحراك الثوري الذي كان ومايزال وراءه شباب وشابات السودان الخُلص الذين لاعلاقة لهم بأي حركة أوحزب . شباب لم يرى في خريطة الإنقاذ المهترئة ما يطمئنه على حاضره ومستقبله. وفي المقابل لوكان عبد الواحد نور لديه القدرة على تحريك جموع الشعب من أقصى شماله إلى جنوبه ، ومن أقصى شرقه إلى غربه لحُقّ له أن يحكم السودان بدلاً منهم.

الحوار كانت مدته ساعة ونصف بالتمام والكمال حيث أنّه لم يكن بمقدوري التعليق عليه بدون التضحية بالمشاهدة كل هذه المدة . تحدث عن ثلاثة شرائح كانت تقف خلف الأزمة حسب تعبيره . شريحة أولى خرجت محتجة على غلاء الأسعار وسوء الوضع المعيشي وهي حسب زعمه تستحق منه كل الإحترام ، شريحة إنتهازية إستغلت الظروف للتعبير عن غبن غير مشروع حيث تعاملت معها الدولة وفقاً للقانون حسب مغالطته وشريحة سعت مع سبق الإصرار لإسقاط النظام . المغالطة العجيبة في هذا الإطار هو أنّ الدولة (المسنودة بمليشياتها) واجهت كل هذه الشرائح منذ الوهلة الأولى بالرصاص الحي الموجه للأماكن المميته ، حيث أنّ أغلب الذين سقطوا لقوا حتفهم إما برصاصات في الصدر او القلب أو الرأس . فعن أي قانون يتحدث على عثمان ؟ هل في شريعة المؤتمر الوطني الذي ظل يقدم المغالطة تلو الآُخرى بأنّه حزب يؤمن بتطبيق الشريعة والتعاليم الإسلامية ما يبرر قتل الأبرياء بدم بارد دونما جريرة سوى أنّهم خرجوا ليقولوا كفى ظلماً ونهباً للثروات لصالح الفرقة غير الناجية بإذن الله. حتى إذا ثبت أنّ هناك من كان دافعه التخريب فالعدل والدين يقتضيان أن يقدم لمحاكمة عادلة لا أن يقتل بواسطة مليشيات لا تؤمن بدين أو قانون سوى إرضاء مجموعة من المفلسين الذين أثبتوا عجزهم السياسي في قيادة بلد ماكان لهم أن يحكموه وفقاً لقواعد اللعبة الديمقراطية.

كما قيل شر البلية ما يضحك . تعجبت أيما عجب عندما فسر على عثمان شعار ثورة ضد الحرامية بقوله أنّ من أطلقوا الشعار أرادوا أن يحدثوا فجوة نفسية بين الحاكم وشعبه . صدق من قال الإختشوا ماتوا . عن أي فجوة نفسية يتحدث علي عثمان أكبر من التي يشهدها القاصي والداني الآن . خروج الشعب السوداني بمختلف مكوناته من الأطفال والنساء والشباب والشيوخ للشوارع وفي كل المدن لهو أكبر دليل على إتساع الفجوة بينكم وبين الشعب السوداني. المثير للدهشة في الحوار هو أنّ علي عثمان مايزال يُصر على جعل العقوبات والحصار الدولي المزعوم وإنفصال الجنوب شماعة للإنهيار الإقتصادي ، حيث لم يكلّف نفسه عناء الإقرار بأنّ فساد رجالات ونساء الإنقاذ الذي ضرب بأطنابه كل شئ هو علّة العلل فيما نعاني منه. كنت أتمنّى في حوار الفرصة الأخيرة هذه أن يمتلك الشجاعة في أن يقول أنّ الفساد هو من قضى على الأخضر واليابس وليس العقوبات الأمريكية أو إنفصال الجنوب.

الأدهى والأمر أنّه تهكّم على شعار تسقط وبس بقوله أنّها دعوة للقفز في الهاوية. أكرر له ثانية بالقول تسقط بس فتخويف النّاس بفكرة من هو البديل تجعلني أعود به للوراء وأذكره بما قاله شيخه حسن الترابي أنّهم أتوا بعمر البشير قبل الإنقلاب بيومين فقط ليتولى السلطة ولم يكن يعرفه سوى أنّه الأعلى رتبةً في قائمة خياراتهم . فإذا كان عمر البشير الذي لم يكن يمتلك أي مؤهل لإدارة مصنع يلتزم بالمعايير المهنية تمكن من حكم هذا الشعب الذي يضم ملايين المؤهلين من المثقفين ثلاثين عاماً ، ألا يستطيع أي شخص أن يحكم السودان. قضيتنا ليست مرتبطة بأشخاص بقدر ما أنّها ترتبط بالدستور والمؤسسية. البديل يا علي عثمان هو دولة قانون ودولة مؤسسات يحترم فيها الإنسان لأنّه مخلوق معزز ومكرّم من عند الله بغض النظر عن أي إعتبار لآخر.

من النقاط التي طرحها علي عثمان ولم يرمش له جفن أو يعطينا الإنطباع بأنّه تحلى بقدر من الحياء هو قوله أنّ من يدعون الجيش للتدخل في هذه الظروف (أنا ضد الفكرة) هم أناس يتسمون بالإفلاس الفكري وأنّ الشارع ليس معهم وحسب قوله أنّ من يطالب الجيش بالتدخل معناها الشعب ما معاهو . السؤال المشروع الذي يدور في ذهن كل مواطن شريف حادب على مصلحة السودان هو : لماذا قفزت الجبهة الإسلامية من قطار الديمقراطية الذي صممه الشعب عبر الإرادة الحرة وإلتفوا عليها بإنقلاب مشؤوم دبروه بليل ؟ هل كان ذلك إفلاساً سياسياً أم لأ يا علي عثمان بالمقياس الذي أسست له حوار الفرصة الأخيرة مع سودانية24 ؟ وما أقوله إستناداً على معيارك الذي أتحفتنا به أنّكم لم تكونوا تحظون بثقة الشارع وإلاّ لصبرتم على العملية الديمقراطية وتحملتم التمرين الديمقراطي الذي لا يتحمله أمثالكم. والأمر المقزز هو أنّك قلت أنّ إستقراء التجربة الإنسانية يعزز فكرة التداول السلمي للسلطة. سؤالي لك : هل أستقرت التجربة الإنسانية قبل إنقلاب 1989م أم أنّها أستقرت بعد خروج الأبرياء المسالمين الذين حلموا بغد أفضل بيد أنّهم وجدوا وابلاً من رصاص مليشيات الأمن الشعبي وحزبكم اللاوطني.

أخيراً ماذا تعني بأنّ الآخرين لم يعرفوا حجم الإنقاذ؟ ما الذي ردت قوله بأنّ الإنقاذ تحميها كتائب ومجموعات ظل كاملة وهي مستعدة للتضحية بالروح لحماية الإنقاذ؟

هذه النقطة خطيرة للغاية وأنت قانوني وتعرف جيداً مترتبات مثل هكذا تصريح على المدى القصير والطويل في إطار المساءلة القانونية والعدلية سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي. هل يعقل وبعد ثلاثين عاماً يكون حصاد الشعب السوداني الحالم بغد أفضل أن يجد نفسه محاطاً بمليشيات وأمراء حرب مهنتهم القتل والسحل ؟

الشئ الذي حرجت به من ذاك الحوار هو أنّ على عثمان الذي يحسبه بعض النّاس وأنا لست منهم رجلاً رشيداً أنّه فشل في حوار الفرصة الأخيرة رغم خبرته السياسية التي تجاوزت الخمسين عاماً في أن يجيب على موقع الإنسان وكرامته وحقوقه المكفولة شرعاً ودستوراً في مشروعه الفكري كشخص وكحزب . كل الأمر مكرّس لخدمة التنظيم والأيدلوجيا ولو على أجساد وأشلاء الأبرياء. فلنذهب جميعنا إلى الجحيم ويبقى المؤتمر الوطني وأُطروحاته الإقصائية محمية بمليشيات وكتائب الدم لا بالحوار المدني الذي هو مبتغانا ولكن ليس مع هولاء الذين فشل الطيب صالح رغم شهرته التي غطت الأفاق أن يعرف من أين أتوا
تسقط بس

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////