تنعقد هذه الأيام اجتماعات متواصلة ، وتدور مناقشات متصلة ، حول التعديل في مجلسي السيادة والوزراء، وتعيين أعضاء المجلس التشريعي. ايمانا بحق الجماهير في المشاركة في تلك القرارات، وحتى لا تتحول لقرارات تتم في الغرف المغلقة ، وتكون جزءا من المساومات والمحاصصات ، بعيدا عن أعين ورقابة صناع الثورة. أتقدم بهذا الاقتراح الذي أتمنى ان يكون بادرة لتحريك تفاعل الجماهير ومساهمتها في خلق القرارات. وأعتقد ان ذلك سيكون واحدا من عدة تكتيكات وأساليب وسيناريوهات لتصحيح مسار الثورة. والأهم عدم الركون للنقد السلبي من مقاعد المتفرجين الساخطين، الذين لا يحركون ساكناً.

هذا الاقتراح ينطلق من ان المكون العسكري قد تخطى سلطاته المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية. وصار يتمدد ليسيطر على قضايا السلام والاقتصاد والعلاقات الخارجية، إضافة لما ناله في الوثيقة الدستورية من السيطرة التامة على الأجهزة العسكرية والأمنية. وأرى ، رأي العين ، انهم يجتهدون لوراثة سلطات رئاسة الجمهورية. وقد تم رفض هذا الاقتراح خلال المفوضات معهم ، لكنهم يعملون على تحقيق ما فشلوا تحقيقه بالباب عن طريق الشباك. لخطورة هذا المسلك على مستقبل الفترة الانتقالية، ولكثرة النقد الذي وجه للمكون المدني في مجلس السيادة الانتقالي، أرى ضرورة التحرك لتصحيح الوضع بتقديم كوادر قيادية، تملك رؤى سياسية واضحة، ومنحازة تماما لقضية التحول الديمقراطي وللحكم المدني.
أعلن حزب الأمة المشاركة في كافة هياكل الحكومة الانتقالية، وهو موقف يستحق الإشادة. لإنه يشكل معالجة لبعض أخطاء المرحلة السا بقة خاصة ما يتعلق بتقديم تكنوقراط فقط لإدارة الدولة. والقرار سيمزج خبرة السياسيين بمعرفة التكنوقراط. كما انه سيحسم ظاهرة المحاصصات في الغرف المغلقة من بعض الأحزاب التي تقدم كوادرها بدون الإعلان عن عضويتها. وأتمنى ان تحذو بقية الأحزاب هذا الحذو خاصة بعد مشاركة بعض الحركات المسلحة في الحكومة القادمة.
أقترح تقديم الدكتور إبراهيم الأمين ، بدون التدخل في شئون حزب الامة وقراراته وخياراته، كعضو في مجلس السيادة الانتقالي ، لإنه يملك من الكاريزما والحنكة السياسية والمواقف المشهودة ما يجعله إضافة حقيقية للمكون المدني في المجلس. وأؤمن أنه سيكون عنصرا فاعلا ومؤثرا في سياسات ومواقف مجلس السيادة الانتقالي. هنا اود ان أوضح انه لا تربطني أي علاقة او صداقة معه، إضافة لأننا لا ننتمي لحزب واحد ، وقد قابلته مرة واحدة في سجن كوبر قبل قرابة الثلاثين عاما. لكن من خلال متابعتي للسياسة السودانية تعرفت على مواقفه وآرائه.
كل من تابع النضال السري خلال الأيام الاولي بعد الانقلاب الاسلاموي الأسود ، ونشاطات التجمع الوطني الديمقراطي ، يعرف قدرات وشجاعة وصلابة الدكتور الأمين. كما ان مواقفه عندما كان امينا عاما لحزب الامة ، وتمسكه بالمؤسسية تؤكد نضجه السياسي.
قابلت الدكتور إبراهيم في سجن كوبر، والقصة التي ساحكيها اقتعتني تماما ، بانه سيكون أحد الذين سيسهمون في ترسيخ الديمقراطية في وطننا المنكوب بأبنائه. كنا في اللجنة الثقافية نقدم ندوات عامة للمعتقلين. قدمنا الدكتور إبراهيم في ندوة عن السياسة الخارجية خلال الديمقراطية الثالثة، لإنه كان وزيرا للدولة بوزارة الخارجية في تلك الفترة. خلال المناقشات علق الأستاذ جلال السيد المحامي بان السيد الصادق المهدي يدفع فواتير القذافي بجعله السودان يدور في المحور الليبي. انفعل المرحوم صلاح عبد السلام وقال انه يرفض أي تعرض للسيد الصادق، وقرر الانسحاب من الندوة ، وتبعه أعضاء حزب الامة. تكهرب الجو، ولكن الدكتور إبراهيم قال لنا فلنواصل مناقشاتنا. وهو موقف اكبره كل الحضور، خاصة ونحن نعرف سطوة المرحوم صلاح عبد السلام داخل حزب الامة آنذاك.
تعقيد الوضع السياسي ، والصراعات المتشابكة والمستمرة ، وعدم إحساس الأحزاب بخطورة الموقف، وإصرار اللجنة الأمنية السابقة والمكون العسكري على السيطرة التامة على بلادنا ، والاطماع الخارجية التي لم تتوقف ، ولن تتوقف ، تجعلنا نستخدم كافة السبل السياسية والسلمية لتصحيح مسار ثورتنا. بعض من تلك الأساليب هي: انتقاء العناصر القيادية والمجربة وتقديمها للصف الأول ، الإسراع بتكوين المجلس التشريعي ، الفراغ من قانون النقابات وتكوين نقابات منتخبة، الحوارات الموضوعية وورش العمل المتخصصة، المواجهة الجادة للعنصرية والجهوية والقبلية، استخدام كافة الاشكال النضالية من تظاهر واعتصام وغيرها من الأساليب التي ستبدعها الجماهير مثلما ابدعت تكوين لجان المقاومة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////////