ثَوابِتُ الدِّينِ أَم مُتَحَرِّكاتُ التَّدَيُّن؟!

 

Kamal Elgizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

 

(ولانا الله على الأمَّة لنسدَّ لهم جَوْعَتهُم، ونوفرَ لهم حرْفتهُم، فإنْ عَجزْنا عن ذلك اعْتَزَلناهُم)

                                              عمر بن الخطاب

 

(29)

كانت (دولة) الرَّسول (ص)، كما ذكرنا، استثناءً، في التاريخ، لا يُقاس عليه، لانتفاء شرط تحققها الأساسي: قيامه بنفسه في رأسها، وتسييره لأمورها، وهو العالم المعلم بكونه معصوماً بـ (الوحي) في شئون (الدّين)، مأموراً بـ (الشُّورى) في أمور (الدُّنيا). ومع ذلك وجب على المسلمين السَّعي للتأسّي بعموميّات هدايتها وكليَّات مثالها.

فما أن استقرَّ به وبالمهاجرين المقام في المدينة، بحسب ابن هشام، من ربيع الأول إلى صفر من السَّنة الدَّاخلة، وفرغ من بناء المسجد والمساكن، واستجمع له إسلام هذا الحيّ من الأنصار، حتى عَمَد إلى التبشير بمبادئ الحياة الجديدة، القائمة، أوَّل شئ، في هداية (المُعاملات) القرآنيَّة، وأهمُّها (الإنفاق)، وتوقى (شُحّ) النفس، و(إيثار) الآخر عليها ولو كان بها خصاصة، وما إلى ذلك من القيم والمعاني التي أسَّس بها (ص) لمضمون العدل الاجتماعي في دولة المدينة. وليس أدلَّ على ذلك من اهتمامه بتحذير الناس في أوَّل خطبة له هناك، قائلاً: ".. أيَّها الناس، فقدّموا لأنفسكم. تعلمُنَّ والله ليُصْعَقنَّ أحدكم، ثم ليُدَعَنَّ غنمة ليس لها راع، ثم ليقولنَّ له ربُّه، وليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي فبلغك، وآتيتك مالاً وأفضلت عليك، فما قدّمت لنفسك .. فمَن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشقّ تمرة فليفعل، ومَن لم يجد فبكلمة طيبة، فإن بها تجزى الحسنة بعشرة أمثالها، إلى سبعمائة ضعف" (تهذيب سيرة ابن هشام لعبد السلام هارون، المجمع العلمي العربي الإسلامي ببيروت، ص 138 ـ 139).

          ثم ما لبث (ص) أن أصدر (الصحيفة) أو (دستور المدينة)، محدِّداً الإطار السّياسي لدولته، بما يصلح أن يجتمع عليه، سياسيَّاً، عقد (التنوُّع) الديني والثقافي والقبلي شديد الخصوصيَّة والتفرُّد في مجتمع (يثرب) الجديد. فميّز، بادئ ذي بدء، بين أمَّتين: (أمَّة الدّين) الأصغر، و(أمَّة السّياسة) الأكبر. ثمَّ جعل (الصحيفة) وثيقة (دستوريَّة) فريدة لتوحيد (أمَّة السّياسة) الأكبر، بما فيها من (مؤمنين) وغيرهم، لا على أسس (الدّين)، وإنما على ما يمكن اعتباره إرهاصاً باكراً بأسس (المواطنة)، حيث جرى، بموجب تلك الوثيقة العبقريَّة، تعريف ".. المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، (بأنهم) أمَّة واحدة من دون الناس. المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو عوف على ربعتهم الأولى، كل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو ساعدة .. وبنو الحارث .. وبنو جشم .. وبنو النجَّار .. الخ". ثم انتقلت الوثيقة إلى تعريف (أمَّة السّياسة) بنصّها على ".. أن يهود بني عوف أمَّة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم .. وأن ليهود بني النجَّار مثل ما ليهود بني عوف، وأن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف، وأن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف .. وأن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبرَّ دون الإثم، وأنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وأن النصر للمظلوم .. وأن يثرب حرامٌ جوفها لأهل هذه الصحيفة .. وأنه لا تجار قريشٌ ولا من نصرها، وأن بينهم النصر على من دَهَمَ يثرب .." (راجع النص الكامل للصحيفة ضمن "التهذيب" ، ص 140 ـ 143).

فليس صحيحاً، إذن، الاعتقاد بأن (الصحيفة) كانت (دستوراً دينيَّاً) لـ (المؤمنين) من المهاجرين والأنصار، بل الصحيح أنها كانت (دستوراً سياسيَّاً) لـ (أمَّة سياسيَّة) قصد منه النبى الكريم أن ".. ينظم شئون الحرب والسلم والمال فى حياتها .. وتحدثت موادُّه عن تنظيم العلاقات بين (الأمم)، الجماعات .. التي غدت مكوّنة لـ (أمَّة) واحدة بالمعنى السّياسي .." (د. محمد عمارة ، الاسلام والسلطة الدينية ، ص 109).  

 

(30)

هكذا يتأكد، عمليَّاً، وبجلاء تام، أنه ليس ثمَّة أدنى سند، في الإسلام، لدولة دينيَّة (ثيوقراطيَّة) أو حتى (ثيوديموقراطيَّة)، كما يقترح المودودي وسيّد قطب باجتهاد (بشري) لا قدسيَّة له ولا عصمة. والحقيقة "أن الذين رأوا، باجتهاد معاصر، أن يعطوا الإمرة، أو القيادة السّياسيَّة، قدسيَّة تناهز قدسيَّة العقائد والعبادات مهَّدوا للتطرف الإسلامي المعاصر الذي جعل اجتهاد أصحابه السّياسي هو موقف الأمَّة، كلَّ الأمَّة، ونفى رأي الآخرين باعتباره كفراً وخروجاً عن ملة الإسلام. هذا الاعتقاد هو الذي مهَّد للتيارات الاحتجاجيَّة المتطرّفة المعاصرة، عبر تكريسه للاستبداد وفتح باب المظالم السّياسيَّة والاجتماعيَّة" (الصادق المهدي؛ نداءات العصر، دار الشَّمَّاشة، الخرطوم 2001م ، ص 26). الصحيح، إذن، هو أن طبيعة الدولة في الإسلام مدنيَّة، تقوم على قاعدة الآيتين الكريمتين اللتين سلفت الإشارة إليهما، حيث:

أ/ أمر الله سبحانه وتعالى رسوله الكريم (ص) بأن يشاور الناس في (الأمر)، أي يستخرج آراءهم في شئون حياتهم، ويتشاور معهم فيها، فلا يعجلون (تفسير الجلالين). ولعلنا في غنى عن التأكيد على أنه لو كان الشأن شأن أمر أو نهى (دينىٍّ) صريح لما جازت فيه مشاورة البشر. غير أن الإسلام يقوم، في أصله، على (التمييز) الواضح، كما سبق وأوردنا، بين ما هو (دين) قطعىُّ الورود والدلالة، فمرجعيته الله ورسوله، وبين ما هو (دنيا)، فمرجعيته البشر أنفسهم، بما ينبغي أن يعتمل في عقولهم وأفئدتهم وألبابهم من (تديُّن) قائم على تشرُّب القيم الشاملة والمقاصد الكلية، لا (تديُّناً) ينغلق على جزيئات مفكَّكة يجرى انتقاؤها انتقاءً، وتلفيقها تلفيقاً، بمنهج يحتال على (الدّين) بـ (الدُّنيا)، وعلى (الدُّنيا) بـ (الدّين)، فلا جلالاً لـ (الدّين) يصون، ولا صلاحاً لـ (الدُّنيا) يحقق، مع كون الإسلام يَعنى، بالنسبة للمسلم، صلاح (الدّين) و(الدُّنيا) معاً. لكنه ، وقد فصَّل الأحكام في الحالة الأولى، ترك الثانية لأفهام المسلمين، يُعملون فيها عقولهم البشريَّة، مستهدين بمجملات الهداية إلى سبل الرَّشاد في القرآن والسنة. بغير هذا الفهم نتنكب، يقيناً، طريق (التمييز) الواضح في الحديث الشريف "ما أمرتكم بشئ .. الخ"، رغم أن هذا (التمييز)، بقول بعض مفكري الإسلام السّياسي أنفسهم، قد ".. أصبح واحداً من إنجازات الإسلام الكبرى على درب تطور الإنسان ، كما أصبح واحداً من علامات النضج والرُّشد لهذه الإنسانيَّة" (د. محمد عمارة؛ الإسلام والسلطة الدينيَّة، ص 104). 

ب/ قرَّ ذلك في وعى الصحابة والمسلمين الأوائل، فمارسوه بسعيهم الجاد للتحقق من الرسول (ص) نفسه، كلما أصدر توجيهاً، وأشكل عليهم فهم ما إن كان من قطعيَّات (الدّين) القويم، أم من مدركات البشر (الدُّنيويَّة)، وذلك بتوجُّههم له بالسؤال متعدّد الألفاظ مُتحِد المعنى، مستصحبين قاعدة (التمييز) المذكورة: "يا رسول الله .. أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدَّمه أو نتأخر عنه، أم هو الرأي؟!" (إبن عبد البرّ؛ الدُّرر في اختصار المغازي والسّيَر، تحقيق د. شوقي ضيف، القاهرة 1966م، ص 113). ومارسوه عند اختيار الخليفة الأوَّل، والرسول (ص) لم يدفن بعد، حيث اجتمعوا في (السقيفة) يتنازعون (أمر) السياسة والحكم، من بعده، لا (الدّين)، يقيناً. ومارسوه عندما امتنع بعضهم، ومنهم علىٌّ كرَّم الله وجهه، وزوجه السيدة فاطمة بنت خاتم الأنبياء والمرسلين، عن مبايعة الصِّدِّيق (رض)، وهو مَن هو، ثاني اثنين إذ هما في الغار، ومَن أنابه الرسول (ص) عنه في إمامة الصلاة حالَ مرضه. ومارسه الصِّدِّيق نفسه، يوم صعد المنبر ليقول للناس في خطبته الأولى بعد مبايعته: "أفتظنون أنى أعمل فيكم بسنة رسول الله؟! إذن لا أقوم بها، إن رسول الله كان يُعصم بالوحي، وكان معه ملك، وإن لي شيطانا يعتريني، ألا فراعوني، فإن استقمت فأعينوني، وان زغت فقوّموني". ومارسه الفاروق (رض)، من بعده، يوم وقف، أيضاً، في خطبته الأولى، يطلب من الناس الطلب نفسه، فينهض له بدويٌّ لم تتعهَّد جلافته يدٌ حضريَّة صاقِلة، يصيح من أقصى المسجد: "والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقوَّمناك بسيوفنا"، ثم يؤدى صلاته، ويغادر المسجد، آمناً مطمئناً، لا يتعقبه بصَّاصٌ، ولا يلاحقه عَسَس، بينما لسان الفاروق يلهج بالحمد لله والثناء عليه أنْ جعل في أمَّة محمد مَن يقوِّم أمير المؤمنين بسيفه! وقد أوجز رضي الله عنه مفهوم (السُّلطة السّياسيَّة) في الإسلام، ووظيفتها، قائلاً، بعبارات لا تحتمل اللبس: "ولانا الله على الأمة لنسد لهم جوعتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإن عجزنا عن ذلك اعتزلناهم". بل وقد سبق أن أوجز الرسول الكريم (ص) كلَّ هذه المعاني، بنفسه، عندما أكد على الاختلاف بين الطبيعة (المدنيَّة) للسُّلطة السّياسيَّة و(بشريِّتها)، بعد الرسالة الخاتمة، وبين طبيعة السُّلطة (الدّينيَّة)، في ما قبل ذلك، لدى بني إسرائيل، وذلك فى الحديث الشريف: "إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبيَّ بعدى، إنه سيكون خلفاء" ـ رواه البخاري وابن ماجة وابن حنبل عن أبى هريرة.

 

(31)

كانت تلك دولة الرسول (ص)، لا يُقاس عليها لانتفاء شرط تحققها المتمثل في وجوده بنفسه، وهو المعصوم، فوق سنام القيادة منها؛ وكانت تلك دولة الراشدين، وقد أوغلت، من بعدها، نأياً في التاريخ، واستعصمت بخصائص قادتها الاستثنائيين حتى عن محض الحُلم بإعادة إنتاجها، حيث أن "الدَّولة الإسلاميَّة بصورتها الأولى لن تكون، روحاً وصورة، إلا كالمثال الأعلى للحكم" (د. حسن الترابى؛ الحركة الإسلاميَّة ..، ص 5)؛ وكان قادتها ومفكروها قد لازموا الرسول (ص)، منكبا لمنكب، في الحرب كما في السلم، وفى الضَّرَّاء قبل السَّرَّاء، وفي (المدينة) كما في (مكة)، وفى (أحُد) مثلما في (بدر)، فشعَّ على صدورهم قبسٌ من روحه الزَّكيَّة، وشهدوا القرآن يتنزَّل عليه طازجا بآيات شكلت وقائع حياتهم مناسباتها، وأطلت ملامحهم من ثنيَّات إعجازها، ثم تتبعوه، يوم خافوا ضياعه، فنالوا شرف جمعه، آية آية، كما يُجمع الدُرُّ من الأعماق، وانداحوا بالدولة إلى ما وراء النهر والجبل والعرق واللسان، يوم كانت تلك شرعة العلاقات الدوليَّة، وقانونها المعتمد، فقدَّموا نماذج عالية في التواضع والكِبْر ينادى، وفي التقشف والبطر يغرى، وفي النَّزاهة وبيت المال ينوء بثقل الخير الوارد من شتى الأمصار، ويهشُّ بوعد الدعة وطيب العيش الباذخ للنفس الأمَّارة بالسوء، واستمسكوا، إلى ذلك كله، بـ (الشورى)، حِصناً من الندامة، وأماناً من الملامة، وإلفة للقلوب، واتباعاً للأثر، في السلم كما في الحرب. فإذا كان كلُّ ذلك كذلك؛ ومع ذلك لم تنج دولة أولئك الرّجال الاستثنائيين من الصراعات، أو تخلُ فترات حكمهم من الخلافات، ما أدى إلى تصفية بعضهم جسديَّاً، وتلك بعض ذيول الخصائص (البشريَّة)، ومترتبات سياسة (الدنيا)؛ فأيَّة دولة، بعدهم، يحقُّ للقائمين (بأمرها) ادّعاء (عصمة) أو (قداسة) أو (حقّ إلهي) يخوّلهم سلطانا مطلقاً على عقول الناس، وعلى حرياتهم، ومصائرهم، وإرادتهم المستقلة؟!

                                                         

                                                     (32)

شغلت ظاهرة (الدَّولة)، في نشأتها وتطوُّرها، علماء الاجتماع والسياسة من شتى الجنسيَّات والمدارس الفلسفيَّة والاتجاهات الفكريَّة، فراكموا حولها نتاجاً ضخماً من النظريَّات المختلفة، المتقاطعة، المتباينة فى تفسير عوامل نشأتها، والكشف عن محدِّدات خصائصها، واستجلاء الفروق الجوهريَّة المائزة بين العمليات الباطنيَّة المؤثرة فى مجرى سيرورتها، وتطورها، ومآلاتها. ولعلَّ أكثر ما تم التوافق عليه، وسط كلّ ما جرى الاختلاف حوله، في هذا الإرث المعرفي والفكري، هو العناصر المكوِّنة لـ (الدَّولة)، كظاهرة تاريخيَّة نشأت في مرحلة معيَّنة من تطوُّر الصراع والتنظيم الاجتماعيَّين، من حيث الشعب، والإقليم، والطبقات الاجتماعيَّة، ومؤسَّسات السلطة القابضة .. الخ.

أما فيما عدا ذلك، ومن زاوية النظر إلى (الدَّولة) باعتبارها (جهازاً وظيفيَّاً) يمثل (ركن السُّلطة السّياسيَّة)، أو (ضرورة المُلك)، بالمصطلح الخلدوني، أو (جهاز القمع الطبقي)، حسب ماركس، أو (احتكار العنف الجَّسدى المشروع)، وفق ماكس فيبر، فقد أخذت تتراجع، رويداً رويداً، الأفكار المثاليَّة العتيقة في تفسير ظاهرتها، والنظريَّات الأسطوريَّة البالية التي ما انفكت تصوِّرها كما لو كانت (آلة) محايدة، نزيهة، ومجرَّدة من الغرض، وذلك تأسيساً على ما راكمته بعض العلوم، كالتاريخ والاجتماع والسياسة، من معارف.

فمنذ وقوع الانقسام التاريخي، في مرحلة متأخّرة من تطور البنية الاجتماعيَّة البدائيَّة، ما بين (قلة مالكة مستغلة)، بكسر الغين، و(أغلبيَّة كادحة مستغلة) بفتحها، تلاشى بعيداً في تاريخ المجتمعات القبَليَّة التي كان أعضاؤها ينتجون حياتهم، ويدافعون عنها، بشكل جماعي، شكل (التسيير) المستند إلى (الرضاء العام)، والتقدير الجماعي (العفوي) للملكات الفرديَّة التي تؤهّل بعض الأشخاص، كالشيوخ والفرسان مثلاً، دون غيرهم، لأداء وظائف التنظيم والإشراف على ذلك (التسيير)، وذلك بجمعهم، في ذواتهم، بين فرادة الخصائص الشخصيَّة وامتيازات (السُّلطة) المعنويَّة، دون أن تكون لديهم، للعجب، أية (موارد) أو نفوذ (مادي) لإملاء إرادتهم على الآخرين، من جهة، ودون أن ينتقص ذلك من الطابع الجماعي لـ (التسيير)، من الجهة الأخرى.

 

(33)

كانت تلك هي اللحظة التاريخيَّة، بالضبط، التي برز فيها احتياج (السُّلطة) لأن تتأسس على قيمة أخرى غير (الامتياز) الشخصي. فوقوع الانقسام الاجتماعي التاريخي نفسه حول ملكيَّة أدوات الإنتاج، وما ترتب على ذلك من نتائج لاحقة، تكفل بالكشف عن فداحة الهوَّة الفاغرة بين (الخصائص الشخصيَّة) وبين (المهام) التي يتوقع من مثل تلك (الخصائص) أن تنهض بها. عندها لم يتبق ".. سوى حلين ممكنين لتفسير القدرة التي تتضمنها قرارات الحكام: فإما (تأليه) القائد، لإقامة توازن بين سلطته وصفاته الشخصية، وإما وضع أسس السلطة في مكانه الصحيح، خارج الحكام، فى مؤسسة قادرة على تحمل الخصائص التي تتعدى قوَّة البشر دون أن تترنح" (جورج بوردو؛ الدولة، ترجمة د. سليم حداد، ط 1، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 1985م، ص 75).

ومع تلاشى شكل التسيير البدائي (الجماعي) في التاريخ، ظهرت الحاجة المُلِحَّة إلى هذا (الجهاز الوظيفي) الخاص لإدارة المجتمع ، والذي انتهى إلى شكل (الدولة) الحديث، ليقطع، تاريخياً، مع شكل التنظيم (القبَلي)، وليصبح التفريق، حسب بوردو، مقبولاً، منذ ذلك الوقت، بين (السُّلطة) وبين (الأشخاص) الذين يمارسونها.

لكن، لئن كان المتخصّصون، الآن، يعقلون هذا التفريق في إطار (النظريَّة القانونيَّة للدَّولة)، فإن لدى غير المتخصصين فهمهم القائم على (الشكّ) بوجود قدرة فوق الحكام تعطى (سلطتهم) قيمتها. فمع أنه لا يوجد من يستطيع أن يزعم أنه رأى هذه (السُّلطة) بأمّ عينه، إلا أنه لا يوجد، أيضاً، من يستطيع أن يزعم أنها غير موجودة! ولعلَّ هذا ما يفسّر تصوُّر (الدَّولة)، عند البعض، بأنه ليس سوى عقلنة للتفسير السحرى للسُّلطة، ".. ليس، فى العمق، إلا عقلنة للاعتقاد الذي لا يمكن الاعتراف به في وسط متطوّر فكريَّاً. فبما أننا لم نعد نستطيع الثقة بالخرافات والعجائب .. نطلب من بناء فكرىٍّ عقلاني ما كان ينتظره الناس في العصور القديمة من الخرافة والميثيولوجيا" (نفسه، ص 76).

 

(34)

مهما يكن من أمر، فقد أريق حبر كثير، حتى الآن، فى التنظير الأيديولوجى لهذا الجهاز الوظيفى (الدَّولة)، كي ما يبدو، للوهلة الأولى، وكأنه يعمل وفق (ضمانات) محدَّدة لخَّصها منظروه فى أنه:

أ/ ينتصب فوق الجميع.

ب/ يتجاوز مزالق التفويض القبَلي/العشائري القديم، بطابعه (العفوي) العام، القائم على (الإقرار) الجَّماعي بخصائص بعض الأشخاص، كشيوخ القبائل والعشائر وغيرهم، باعتبارها مؤهّل الشرعيَّة الأساسي لإشرافهم على (تسيير) نشاط الجماعة.

ج/ يرتقى ، كنموذج إدارة ، إلى نمط (مؤسّسى) حديث، يتشكل وفق هايراركيَّة مدعومة بـ (فصائل مسلحة)، ويتكفل بمهمَّة صيانة (النظام العام)، وتغطى كلفته من جباية أموال (الضرائب).

غير أن حقل التاريخ الذي ظلَّ دائماً بمثابة المختبر الحقيقي لأيّ (أيديولوجيا)، صيَّرَ إلى افتضاح صريح، منذ زمن طويل، أن ما يُسمَّى بـ (النظام العام) لا يعدو كونه منظومة قيم وقواعد (خاصَّة) جدَّاً، يراد منها تأبيد (سلطة) المستحوزين على (الثروة)، وأن الفصائل المسلحة (تقرأ: القامعة) ليست مسلحة، فى الواقع، إلا لحماية (مصالح) الطبقات والفئات الاجتماعيَّة السائدة اقتصاديَّاً وسياسيَّاً، وذلك بعد (رفع) هذه (المصالح الضيّقة) إلى مستوى (الصالح العام)، سواء كانت (سلطة) هذه الطبقات والفئات في قبضة فرد أو نخبة. باختصار فإن ".. الدَّولة التي قامت لتكون المركز المتجرِّد للسُّلطة، تتحوَّل لتصبح، غالباً، العذر للذين يحكمون باسمها، ويتذرَّعون بحظوتها، ولكن .. أمزجتهم وميولهم ومصالحهم (هي) التي تملي القرارات التي تنسب إليها" (نفسه ، ص 14).

 

(35)

هكذا أضحى مصطلح (الدَّولة) يُستخدم، أكثر فأكثر، للدَّلالة على (أداة) التسلط السّياسي لـ (الأقليَّة) التي تدَّعى خدمة (كلّ المجتمع)، ككيان متماسك ومتجانس، بينما هو، في حقيقته، منقسم إلى طبقات تتمايز في ما بينها، وتتدافع، بحسب مواقعها المختلفة من السُّلطة والثروة، وما ينتسب إليهما، ويحيط بهما، من مفاهيم دينيَّة وأخلاقيَّة وثقافيَّة وغيرها، في إطار منظومة القيم والمثل والمؤسسات التي تشكل البنية الفوقيَّة للمجتمع superstructure، ".. وعندها تصبح الدَّولة، المسيطر عليها من قبل الذين من المفترض أن يكونوا خدَّامها، ستاراً لـ (مشروع تسلطي) على الأقل، إذا لم تكن ما رآه ماركس فيها عندما أدانها باعتبارها (أداة للقمع). إن الوهم يولد الأسطورة، وهكذا الدَّولة  التي تمَّ تصوُّرها لتطهير السُّلطة من الضعف الإنساني، تصبح أداة لتبريره" (نفسه).

مع ذلك من المهمّ النظر إلى (الدَّولة)، في بعض وجوه التعقيد الذي يسمُ ظاهرتها، بوصفها فرعيَّة، أو حتى ثانويَّة، في علاقتها بـ (المجتمع المدني)، إذ ليست هي التي (تحدِّد) أو (تخترع) هذا المجتمع، من جهتي (التكييف) و(التنظيم)، بل العكس هو الصحيح تماماً، حيث أن ظاهرة الدَّولة هي التي برزت، تاريخياً، من واقع حراكات وصراعات المجتمع، وتحدَّدت بها. وفى سياق تصويبه للمفهوم الماركسي المعروف حول (نهاية الدَّولة) يرى غرامشي أن (الدَّولة) ليست منتهية بذاتها، وإن يكن من الممكن تصوُّر ذلك عنها (كأداة)؛ بمعنى أن (نشوء) و(اختفاء) هذه (الأداة) مشروطان بنشوء واختفاء (المجتمع) الذى تعبر عنه. وهذا ما دعاه غرامشى (الدولة الموسَّعة)، أى الظاهرة بشقيها المدني والسّياسي (أنظر: د. كريم أبو حلاوة؛ "إعادة الاعتبار لمفهوم المجتمع المدني"، م/عالم الفكر، ع/3، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، الكويت، يناير/مارس 1999م، ص 16 ـ وأنظر ضمنه: Bobio, Norbirto; Civil Society in Gramci, 1988, p. 76 – 77). 

بهذا المستوى من الفهم لظاهرة الدَّولة، يصبح من الممكن النظر إليها، قديماً وحديثاً، باعتبارها، من ناحية، "جهازاً سياسياً طبقياً للقمع المشروع"، إذا قرَنا بين تعريفات ماركس وفيبر وبوردو، أو "أداة مُلك موضوعيَّة"، بمصطلح عالم الاجتماع الإسلامي عبد الرحمن بن خلدون؛ كما يمكن النظر إليها، باعتبارها، من ناحية أخرى، حسب ملاحظة غرامشي، كياناً "موسَّعاً" ما ينفكُّ شقاه (المدني) و(السياسي) يتواجهان داخله، بمطالبهما المرفوعة تجاه بعضهما البعض.

لقد أصبح الكثير من المنظرين والمفكرين والباحثين الحديثين، من مختلف المدارس والاتجاهات، بما في ذلك مفكرون من داخل حركة الإسلام السياسي في المنطقة، يعبّرون، بصورة أو بأخرى، عن اتفاقهم مع القول بأن "أداة المُلك الموضوعيَّة" هذه عادة ما تكون فى قبضة (الأقليَّة) في المجتمع، تستخدمها لضمان استمرار نفوذها وامتيازاتها الاقتصاديَّة السياسيَّة والاجتماعيَّة على حساب (الأغلبيَّة). لكن ما يهمنا هنا، لأغراض مبحثنا هذا تحديداً، هو التعرُّف على موقف الإسلام السياسي الحديث من هذه القضيَّة، خاصَّة في ضوء المعياريَّة الصارمة التي أرساها الفاروق لوظيفة الشقّ السياسي من (الدَّولة الإسلاميَّة)، والمتمثلة في سدّ جوعة الناس، وتوفير حرفتهم، "وإلا اعتزلناهم"، أو كما قال!

(نواصل غداً بإذن الله)