يوم السبت الماضي خبا نجم اخر من نجوم الصحافة السودانية ملتحقا بركب جيل رائد اسهم في صنع الحياة السياسية في السودان, سبقة الي الدار الأخره قبل سنوات محمد سعيد محمد الحسن , محمود ادريس ,الفاتح التجاني ,عبد الله الجبلي, كامل حسن محمود ذلك العطاء الوافر في تأصيل مهنة النكد كما كان يطلق عليها المعلم عبد الله رجب.

كان ادريس حسن في عصر الستينات احد اهم المخبرين يوم كان للخبر شأنا ومكانة قبل قبل ان تشيعه التكنولوجيا نثارا في كل مكان , عاصر ادريس حسن عصر"صحافة الرصاص" واستنشق ابخرتها وصادق حروفها ,وصحافة الرصاص لصحافي هذا الجيل هي بداية هذه المهنة في السودان عندما كانت الصحيفة تمر بمراحل عدة حتي تخرج من المطبعة , المرحلة الأولي هي إذابة الرصاص في فرن ماكينة الليونوتايب ليتحول الي اطار حديدي ترص فيه المادة الصحفية خبرا او مقالة وهي عملية حساسة ودقيقة كان يطلق علي من يقوم بها اسم "الموضب "المخرج حاليا, وبالرغم من بدائية هذه الطريقة ولكنها كانت هي السائدة في العالم العربي والسودان وكان الصحافي يبتهج فرحا في اليوم الثاني بجهوده عندما يقلب الجريدة كأنما يهدهد طفلا صغيرا, حسب افاداته مع الكاتب محمد الشيخ حسين فأن ميلاد ادريس حسن كان في الخرطوم ( تلاتة في اربعينات القرن الماضي حيث حفظ الربع الأخير من القران الكريم في خلوة الشيخ عبد الرحيم أبو القاسم في اشلاق البوليس ,

ويشير محمد الشيخ ان ادريس كان قريب من رهط الصحفيين الأوائل عفان احمد عمر واحمد يوسف هاشم ورحمي محمد سليمان وإن كان يصغرهم كثيرا في السن غير ان الأصح ان نقول ان ادريس وهو يصغرهم سنا كما ذكر الشيخ تفتحت عيناه وحبا قلمه في كنف هؤلاء العمالقة ,ولكنه ليس بالقطع من جيلهم,وهو كما يوسف الشنبلي وميرغني حسن علي ,ويحي العوض,والفاتح التجاني نهلوا من ثقافة وخبرة تلك المدرسة التي ارست قواعد الصحافة الحديثة في السودان .

قصة صراع مع المهنة
ولأدريس حسن قصة صراع طويل مع الصحافة كغيره من صحفيي ذلك الجيل حيث لم تكن هناك معاهد او جامعات تدرس الصحافة فهو بدأ حياته كبائع صحف عاشقا للورق حتي كانت اولي خطواته في جريدة الأخبارالأسبوعية لصاحبها رحمي محمد سليمان في نهاية ستينات القرن الماضي والتي قضي فيها سنين عددا حتي اكتشفه عميد الصحافة الراحل بشير محمد سعيد فالحقه بأسرة تحرير الأيام الجريدة المستقلة الأولي في ذلك الزمان, ويزيد محمد الشيخ حسين ان ادريس حسن (اخذ من عفان احمد عمر صاحب مجلة الشباب عنفوانه الثوري، ومن الراحل رحمي محمد سليمان مؤسس جريدة (الأخبار) حميمته في التواصل مع القارئ والبساطة في الفكرة. وحين التحق الأستاذ إدريس حسن بكبرى مدارس الصحافة السودانية (الأيام) كان له موعدا مزدوجا بين عقلانية الراحل بشير محمد سعيد ونظره الراقي للأحداث، ثم دقةالأستاذ محجوب محمد صالح ) عاصرت ادريس في مؤسسة الأيام وانا اتعلم المشي في بساط الصحافة ,ومنه تعلمت الفرق بين صحافة المكتب وصحافة الشارع ,فقد كان ادريس من صحافي الشارع والصالونات معا يتابع الأخبارمن شكلها الجنيني حتي تتكون وتكتمل في رحم المطبعة لا يابه كثيرا بلؤم وصدود بعض المصادر عنه ,بل واحاينا يتحمل غلظة ردودهم حتي يفوز بالإلحاح الناعم بمايريد ,والي ذلك كان ادريس حسن نجم الصحافة الخبرية بلا منازع في ستينات القرن الماضي عندما كان مقياس نجاح الصحيفة بتفردها في الأخبار.

ومن كثرة ثقة المصادر فيه كانت الأخبار تأتيه طوعا في مكانه يهرع اليه السياسيون في مكتبه حين يريدون ايصال رسالة الي الخصم الأخر فكسب بذلك جميع التيارات السياسية من اقصي اليمين الي اقصي اليسار, كان صديقا لكل اطياف اللون السياسي لعبد الخالق محجوب ,ومحمد احمد محجوب ,والشريف حسين الهندي ومن بعده شقيقه زين العابدين ,ولركوبه مهرالطموحات اسس له وكالة خاصة به هي وكالة الآنباء المحلية ,وكانت وكالتة منافسة بحق لوكالات قديمة ثلاثة هما وكالة لأنباء السودانية لصاحبهاعبد الكريم المهدي,ووكالة انباءالخرطوم لسعد الشيخ ووكالة انباء افريقيا الجديدة لعمر كرار, كانت هذه الوكالات مصدرا مهما للأخبار بجانب الصحف الأخري.

نشطت وكالة الأنباءالمحلية وتمددت في الساحة الصحفية لتميزها باخبارها الصادقة,ولكن البعض ارجع تمويلها الي الشريف حسين الهندي وزير المالية يومذاك ,والرجل الثاني الفاعل في الحزب الإتحادي لديمقراطي بعدالزعيم اسماعيل الأزهري, و كان الشريف احد اهم مصادر الوكالة الخبرية ,وكان ذا علاقة خاصة جدا بادريس وفي احايين كثيرة يختارمنزله مكانا للراحة حين يزحمه العمل.

وكما كان الشريف شديد الصلة بالراحل .كان محمد احمد محجوب رئيس الوزراءوقطب حزب الامةا يعتبر ادريس ايضا مصدرا هاما من مصادر الأخبارخصوصا حين تنشب معركة بين حزبي الامة والوطني الإتحادي, وكان يفتقده ويسأل عنه ولا يبدأ مؤتمراته الصحفية إلا اذا كان موجودا هو ومحمد ميرغني سيد احمد المدير الإقليمي لوكالة رويتر العربية في السودان.


اعتقل في مايو لنشره خبر الإنقلاب
استمر ادريس يدير وكالته حتي إنقلاب 25مايو 1967الذي سرعان ما اعلن تأميم الصحافة فشمل ذلك وكالته بجانب الوكالات الأخريفي بداية مايو اعتقل ادريس حسن ضمن العديد من الصحفيين الذين اطلقت مايو ليهم ( إحتياطي الرجعية) وكان سبب الإعتقال انه نشر خبر انقلاب مايو وهو في طور الإعداد ,واضيفت الي ذلك تهمة انه زار الأسطول الامريكي الذي كان راسيا في بيروت ضمن صحفيين عرب وجهت لهم الدعوة ,تلك التهمة المضحكة التي صنفت ادريس كعميل للمخابرات الامريكية فزج به في السجن عدة شهور ولكن عندالعفو العام الذي شمل السياسيين افرج عنه وترك العمل الصحفي مؤقتا وافتتح له "سوبر ماركتا" في العمارات ,وطوال سنوات مايو لم تتح له الفرصة للعمل في الصحافة التي اصبح يشرف عليها تنظيم الإتحاد الاشتراكي الحزب الحاكم ولكن رضي عنه اخيرا فالتحق بصحيفة الأيام التي كان علي رأسها موسي المبارك ئيسا لمجلس الادارة والفاتح التجاني رئيسا للتحرير , استمر الراحل في الايام حتي جاء إنقلاب الاسلاميين في عام 1998فاختير رئيسا لتحرير صحيفة الرأي العام شبه الحكومية ولكن اطيح به ضمن صراعات السلطة فأصدر صحيفة يومية بأسم "الوحدة "لكنها لم تدم طويلا لعدم توفير المال لها فقرربعد ذلك ترك المهنة نهائيا والإلتحاق بابنائه في الولايات المتحدة.

من واقع ثورة الإتصالاتت وظهورالصحافة اللكترونية الشعبية المشاعة ,وتراجع صحافة الخبر لتحل محلها صحافة الرأي لم تعد الحاجة ملحة للمدرسة التقليدية تلك التي وسمت مرحلتي الستينات والسبعينات فصناعة الخبر صارت في متناول الجميع .

رائد المدرسة الخبرية
يعتبر ادريس حسن احد اهم رواد المدرسة الخبرية الحديثة ,وكان نجما صحفيا لامعا طوال سنوات عمله في بلاط مهنة النكد ,تميز دائما بالحزم الرحيم في ادارةالعملية التحررية ففسر بعض الصحفيين الذين عملوا معه ذلك بالشدة والغلظة والعبوس , ولكن ادريس الذي تتلمذ علي يدي الراحلين رحمي سليمان صاحب الآخبار, وعميد الصحافة بشيرمحمد سعيد المشهور بالحزم في المهنة تشّرب من الاول التسامح والإتزان,ومن الثاني الشدة الرحيمة فهو من جانبه الإنساني شخص موفور الطيبة والبساطة والأريحية وذو قلب ابيض يريد من تلامذته دائما ان يكونوا صحفيين حقيقين.

كتب ادريس حسن كتابه الشهير قصتي مع الإنقلابات العسكرية والتي سرد فيها من خلال عين الصحفي المتابع والمراقب لكواليس السياسة السودانية ,وبحكم مصادره الكثيرة ومن بينها الجيش إستطاع ان يشتم دائما رائحة الإنقلابات العسكرية وهي تتسرب بعيدة عن انوف السياسيين المنشغلين بصراعات الكراسي ويروي ادريس (انه في عشية اول إنقلاب عسكري في السودان وكان يعلم بأرهاصاته ذهب ومحمداحمد المرضي الزعيم الإتحادي الي البيه عبد الله خليل رئيس الوزراء يسألانه عن حقيقة الإشاعة الذي وحسب ادريس إن البيه اعترف عن طرف خفي بتحرك الجيش لإستلام السلطة ,وحول إنقلاب الخامس والعشرين من مايو قال ادريس انه علم به بواسطة ضابط صغير في الجيش اتضح له فيما بعد انه العميد عبد العزيز خالد )

قصته مع الإنقلابات العسكرية
تميز ادريس حسن دائما بحاسة شم خبرية حادة لا تخيب ابدا ,وهي التي جعلته يتفوق علي اقرانه من ابناء جيله.

علق الكاتب الصحفي محمد الشيخ حسين علي كتاب ادريس بعنوان" قصتي مع الإنقلابات العسكرية" بقوله ( كسرادريس "تابو" تحريم الحديث حول هذا الموضوع موضوع الإنقلابات ,وأطلق النقاش حوله وفتحه للحوار العام بإفادات جديدة بكونه أمرا لا مناص عنه.

الثابت أن القطاع العسكري يشكل في السودان على مر الأنظمة العصب الحساس والعمود الفقري، والنقاش حوله يجب أن يتم بمسؤولية. لكن مهنية الأستاذ إدريس حسن مكنته بحرفية عالية من تقليب بعض الصحفات التي تناولت بصورة مباشرة قصته مع انقلابات السودان منذ أن التقط عندما كان صبيا دون السادسة عشرة من عمره خبر استيلاء طيب الذكر الفريق إبراهيم عبود على السلطة قبل يومين من حدوثه، إلى أن عرف بعد عشرة سنوات من أن الضابط عابدين الذي كان يحدثه هاتفيا في الأيام التي سبقت 30 يونيو 1989 عن خطورة الوضع واحتمال وقوع انقلاب عسكري، هو العميد عبد العزيز خالد.

إذا بدا لك أن كتاب (قصتي مع الانقلابات العسكرية) صحوة استثنائية غير مسبوقة في تاريخنا المعاصر، فذلك صحيح من جهة أن الأستاذ إدريس حسن، استطاع أن ينفض ينفض قليلا من التاريخ الذي يحمله على ظهره من حوادث وتجارب ومواقف كان هو شاهدها الأول على مر الأنظمة التي حكمت البلاد).

حضر محاكمة عبد الخالق محجوب
من إنجازات ادريس حسن الصحفية المدوية او مانطلق عليه السبق الصحفي كان هوالصحفي السوداني الوحيد الذي حضر جزءا من المحاكمة الشهيرة لسكرتير الحزب الشيوعي عبد الخالق محجوب ,ويروي ادريس الواقعة إن الصدفة وحدها هي التي اتاحت له هذه الفرصة الذهبية, قال كنت علي موعد في الفندق الكبير مع الصحفي اللبناني فؤاد مطر ريئس تحرير مجلة التضامن" كان يمولها نظام النميري" وفجأة شاهدت حركة غير عادية في اروقة الفندق صحفيون ومصورون تلفزيونيون اجانب يجهزون انفسهم مما لفت انتباهي ان هناك شي ما يجري ,وعلي الفور علمت ان هؤلاء سمح لهم بتغطية محاكمة العصر للأمين العام للحزب الشيوعي عبد الخالق محجوب والتي حرمت منها الصحافة المحلية,وهكذا وجدت نفسي بين هذا الرهط من الصحفيين الأجانب
وفي غمرة العجلة والتوترالذي ساد منظمو فريق الصحافة الأجنبية لم يكتشفني احد فرجحوا ان كون احدهم ,وحتي وصلنا الي سلاح الدرعات وقعت عيني علي عبد الخالق وهو وسط حراسه مشددة في جلباب متسخ ولحية مشعثة كان يبدوعليه الأرهاق فحياني بايمائه منه فرددت تحيته بأصبعي خوفا من اكتشافي ومن داخل القاعة قدم ادريس صورة قلمية لعبد الخالق كيف كان ثابتا امام جلاديه وكيف كانت ردودة مفحمة لهم .

احزنني كثيرا ان جنازته سار فيها افراد اسرته ومعارفه فقط وغاب عنها الصحفيون واتحادهم, اللهم يا حنان يا منان يا واســـع الغفران أغفــر له وارحمه وعافه واعف عنه واكرم نزله ووسع مدخله وأغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. إنا لله وإنا إليه راجعون.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////