نقلت الأخبار إنه قد جرى يوم الخميس الماضي بمباني البرلمان السوداني التوقيع على "ميثاق للشرف الصحفي" بحضور النائب العام ورئيس الوزراء السوداني وجمع حاشد لرؤساء تحرير الصحف والجهات ذات الصلة بالإعلام المقروء والمرئي والمسموع. و معلوم إن أي ميثاق للشرف إذا كان يتعلق بالصحافة و بالإعلام و الثقافة و غيرها من الوسائل التي لها علاقة بتشكيل الرآى و الوجدان، يكون له علاقة وطيدة بالشأن السياسي في البلاد، و الميثاق يعبر عن وجهة نظر سياسية واحدة، تؤكد إن الحوار الوطني الذي جري في البلاد ليس له أي نعكاسات حقيقية علي الأرض، رغم إنه حوار نظمه النظام الحاكم نفسه و لكن لا يحترم حتى مخرجات نشاطاته، و الميثاق يعبر عن عقليات مؤدلجة ماتزال تعتقد إنها هي الجهة الوحيدة التي يجب عليها أن تملي علي الآخرين خياراتها، و هي التي تعيق أي عمل من أجل الوصول لآتفاق وطنى بين القوي السياسية. و لابد من الجدل حول الميثاق لأنه لا يعبر عن رؤي ديمقراطية بل محاولة لتقليص مساحة الحرية التي تحقققت بنضال القوي الديمقراطية.

عندما يكون هناك حديثا عن "ميثاق شرف صحفي" في أي دولة من الدول، يكون تعريف النظام في تلك الدولة " نظاما شموليا" باعتبار إن النخبة التي تتحكم في مفاصل تلك الدولة لديهم موقف من الديمقراطية، و يتخوفون من مناهج النقد، لذلك يحاولون تقييد الحرية بشتى الوسائل، عندما تصبح آدواتهم السابق الدرجو علي استخدامها أصبحت عقيمة، و خلقت تزمرا إن كان ذلك داخل الدولة من قبل القوي الديمقراطية، أو عمليات ضغط تمارس ضدهم من قبل منظمات خارجية تعني بحقوق الإنسان، و بالتالي يعجزون عن تبرير إجراءاتهم، و يبدأون البحث عن آدوات جديدة أيضا تستخدم في تقليص مساحة الحرية و لكن بأيادي آخرى.
التوقيع علي ميثاق الشرف الصحفي الذي وقع يوم الخميس الماضي، هو رؤية لقوي سياسية واحدة لها موقف من قضية الديمقراطية، و جل الذين يتحكمون في أدوات الصحافة و الإعلام هم من مرجعية فكرية واحدة"الصادق الرزيقي رئيس اتحاد الصحافيين- الطيب مصطفي رئيس لجنة الإعلام بالبرلمان – معتز موسي رئيس الوزراء – النائب العام – رئيس البرلمان – أغلبية رؤساء التحرير إلي جانب رئيس جهاز الأمن و المخابرات" كل هؤلاء يمثلون مرجعية فكرية واحدة، و تنعكس تلقائيا علي "ميثاق الشرف الصحفي" و بالتالي يمثل وجهة نظر سياسية واحدة، ليس لها ملامح ديمقراطية تعبر عن توافق سياسي وطني يخدم قضية الصراع السياسي من أجل الحرية و الديمقراطية في البلاد، الأمر الذي يجعل تحكم جهاز الأمن علي العملية الصحفية و الإعلامية في البلاد تحكما كاملا.
و تأكيدا علي تحكم الجهاز، أكد المسؤول الأمني مواصلة وضع الصحف قيد الرقابة بعد الطباعة، قائلا " ليس هنالك رقابة قبلية ولكن ستكون هنالك رقابة “بعدية للصحف بعد الطبع ونعطي الفرصة للجنة مراقبة ميثاق الشرف وننتظر ان نرى اللجنة المختصة ترصد وتراقب وتنبه الصحف وتحاسبها وتعاقب وتطبق روح ونصوص الميثاق وان اخفقت فلن نقف متفرجين سنقوم بواجبنا" هذا الحديث أخطر من الإجراء الذي كان سائدا قبل التوقيع علي "ميثاق الشرف" قبل التوقيع كان جهاز الأمن هو الذي يقدر الأشياء لوحده، و بالتالي كانت الصحف رغم المصادرة تحاول أن تحدث أختراقات لكي توسيع دائرة الحرية الصحفية، و لكن الآن تصبح الرقابة ذاتية داخل حقل الصحافة، و هي من أخطر أنواع الرقابات، و يصبح الصحافيون هم الذين يقيدون أنفسهم، و بالتالي تتوقف عمليات الأختراق و توسيع دائرة الحرية. و معلوم رغم إن هناك بعض الكتاب و الصحافيين من ذات المرجعية يقفون مع حرية الصحافة و التحول الديمقراطي، لكن هامش الحرية الضئيل الذي تحقق جاء بنضال القوي السياسية الأخرى، و هؤلاء الآن بعيدين عن المشاركة في صناعة " ميثاق الشرف" إن القضية كلها لا تخرج من الرؤية الشمولية لنظام الحكم. و الحرية الصحفية لا تكتمل أركانها إلا بالوصول إلي اتفاق سياسي لعملية التحول الديمقراطي، في ذلك الوقت يصبح اتحاد الصحافيين و البرلمان و مؤسسات الدولة تعبر تعبيرا حقيقيا عن مكونات الدولة و عن القوي السياسية فيها، لكن بميثاق الشرف يحاول الإعادة لفترة التسعينات و فرض شروط الديكتاتورية بأبشع صورها و بأيدي الصحافيين أنفسهم.
إن إشكالية النظام الشمولي عندما يضعف في السيطرة علي حركة سفارات الدول الأخرى، أو محاولة تقديم تنازلات حتى علي حساب السيادة لكي يجد حلولا لمشاكله، يحاول أن يجد له تبريرا لسلوك الآخرين أو شماعة يعلق فيها أخفاقاته. يقول رئيس جهاز الأمن الفريق صلاح قوش في احتفال التوقيع " هناك "هجمة" من السفارات الأجنبية لاستقطاب الصحفيين، و أنهم لن يسمحوا بأن تكون هناك اتصالات مباشرة بين هذين الطرفين". لماذا يوجه الحديث للصحافيين و لا يطلب من السفارات عبر وزارة الخارجية أن توقف استدعاء الصحافيين إلا بعد أخذ موافقة من وزارة، و هنا الفريق قوش يتعامل مع القضية عبر أجندة أمنية و ليست سياسية، لآن النظام قائم علي تصورات أمنية. و في ذات الاحتفال أبدى مدير جهاز الأمن عدم رضاه حيال التواصل بين بعض الصحفيين والسفارة السعودية بالخرطوم والتي سهلت مؤخرا لعدد مقدر منهم فرصا لزيارة المملكة تحت أغراض مختلفة. ورأى صلاح قوش مغادرة الصحفيين الى السعودية ليس سوى مشروع "عمالة وتجنيد"، وأضاف تم استدعاءهم واستجوابهم وإبلاغهم بأن هذا مشروع "عمالة" لا اعتقد هناك من يقبل أن تسرح و تمرح السفارات في بلده كما تشاء، لآن ذلك يبين أن هناك خللا، لا يقع فقط لاستجابة الصحافيين للدعوات التي تقدم لهم من قبل بعض السفارات، و لكن هناك خلالا في النظام الحاكم الذي لم يستطيع أن ينظم هذا اللقاء عبر ما تسمح به القوانين الدولية التي تنظم العمل الدبلوماسي.
الإشكالية أن النظام نفسه غير قادر علي تحديد سياسته الخارجية و غير معلوم أين يقف، تتناقض مواقفه لأنها غير محكومة بضوابط تشكلها العديد من المؤسسات الدستورية، و محاولة تكميم الأفواه في الداخل و كسر أقلام الصحافيين، و تناقض في المواقف الخارجية و مسك العصى من المنتصف لابد أن يشكل عدم وضوح في سياسة الدولة و تخبط، و هناك قضية واضحة هي التي تسبب فشلا للنظام في علاقاته الخارجية، إن النظام لم يرتب أولوياته بين مصالح الشعب و الدولة و بين رؤية التنظيم العالمي لحركة الأخوان المسلمين، هل نقف مع مصالح شعبنا ولا تتحكم فينا صراعات الإسلاميين في الإقليم.
و من القضايا ذات الجدل، و التقييم في التناول هي القضايا المتعلقة بالقوي القمعية في البلاد " القوات المسلحة و جهاز الأمن و المخابرات و الشرطة و غيرها من القوات الأخرى" و جاء في الميثاق "عدم نشر أي مواد أو أخبار حول القوات النظامية وخططها وأنشطتها وتحركاتها إلا نقلاً عن الناطق الرسمي باسم القوة المحددة أو نقلاً عنه" هذه القضية تكون تقديراتها لجهاز الأمن و ليس للصحافة، باعتبار إن التجاوزات التي تحدث من قبل تلك القوي تنتج من ممارسة جهاز الأمن، و بالتالي يريد الجهاز أن يؤمن نفسه من أي نقد يمارس ضد منتسبيه، هناك قضايا صحيح لا يجب الخوض فيها التي تتعلق بنشاطات القوات التي تتعلق بتطوير و تحديث هذه القوات و أيضا بتحركاتها و أستراتيجيتها، و لكن أيضا هناك ممارسات لتلك المؤسسات مضرة للدولة و المواطنين و علي الصحافة أن تكشف ذلك. عندما أعلنت رئيس الوزراء البريطانية السابقة مارجريت تاتشر الحرب علي الأرجنتين بسبب المنازعة بين البلدين علي جزر الفوكلاند، وقفت الأذاعة البريطانية و معها بعض الصحف ضد الحرب و قالت هذه ليست حرب بريطانيا، إنما هي حرب تاتشر التي تريد الخروج من مآزقها، و لم يقول جهاز المخابرات البريطاني إن الأذاعة و تلك الصحف يمارسون العمالة للآرجنتين، و عندما يمارس سلاح الطيران القصف علي المدنيين لابد أن يكون للصحافة موقف من ذلك، لكن الفريق قوش يريد أن تكون الصحافة مروضة، تتلاءم مع الموقف الفكري لهذه النخبة الحاكمة.
و إن كان الميثاق يتضمن بعض النقاط الإيجابية، منها " عدم حرمان الصحفي من أداء عمله أو من الكتابة دون وجه حق بما يؤثر على أي من حقوقه المادية والأدبية المكتسبة، و عدم جواز تهديد الصحفي أو ابتزازه بأي طريقة في سبيل نشر ما يتعارض مع ضميره المهني أو لتحقيق مآرب خاصة بأي جهة أو لأي شخص. هذه جزرة جيدة لكنها بعد أن أوكلت الحق الكامل لجهاز الأمن، الذي سوف يقف بعيدا بعض الشيء و يرى الصحافيين وحدهم هم الذين يقيدون أنفسهم، و يمارسون الرقابة علي بعضهم البعض، و تصبح الصحافة هي نفسها شاشة التلفزيون التي يتحكم فيها الجهاز في ماذا تقدم و تذيع علي المواطنيين، هنا يصبح الصحافيون هم الذين يشكلون عائقا علي الإبداع، و حماية للفساد و المفسدين في الدولة. نسأل الله حسن البصيرة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.