مني مناوي … حاكما .. بقلم: ناصر السيد النور


بإدائه القسم أمام رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق اول ركن عبد الفتاح البرهان بحضور رئيس مجلس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك ورئيس القضاء بالإنابة أصبح قائد حركة تحرير السودان مني اركو مناوي حاكما رسمياً لإقليم (أقاليم) دارفور وهو التعيين والمنصب وتوقيته الذي أثار تساؤلات من حيث اختصاصاته وسلطاته في وقت لم تزل السلطات الولائية أو الإقليمية ومسمياتها ومؤسسات التشريعية لم تحسم بعد على كافة مستويات الحكم المركزي والإقليمي مما يجعله تعييناً لا يفهم إلا على بفرض سياسة الأمر الواقع. ويعود مناوي من بين كل فصائل الحركات الدافورية حاكماً سلطانياً على أحد أكثر مناطق البلاد توتراً وما شهدته من أهوال صراعات حروب بين حكومة النظام البائد ضد سكان أدت إلى إبادة جماعية تطهير اثني ممزقة لنسيجها الاجتماعي وارتكبت فيها جرائم لا تزال ملفات منفذيها رهن المؤسسات والمحاكم الدولية صدرت بحقهم مذكرات توقيف وقبض على أحدهم من قائمة المطلوبين يحاكم حاليا وآخرون بانتظار القبض والترحيل. وقد تتالى صدور قرارات مجلس الأمن الدولي من الفصل السابع، ووصولها إلى آفاق العالم بصورة لم تصلها حروب الجنوب بتاريخها الدموي الطويل. ومثلما شغلت المجتمع الدولي، كانت دارفور في شعارات ثورة ديسمبر، إذ أن لدارفور قضية (عادلة) أي كانت أسباب تفجرها إذا كانت نتاجاً ما يرى البعض لمفاصلة جناحي الإسلاميين الشهيرة في منتصف عقد التسعينيات أو بسبب ما تعانيه في الأصل من تهميش وظلم وتخلف متعمد منذ أن صعدت جبهة نهضة دارفور وحركة سوني قضية دارفور قبل اندلاع صراعها المسلح الأخير بعقود.
ويعود مناوي إلى الساحة السياسية حاكماً بمرسوم دستوري بتعيينه حاكماً عاماً على الإقليم معتمداً من مجلس السيادة ومعينا بصلاحيات مجلس الوزراء وفق اختصاصات السلطة الانتقالية. فالقائد المغمور الشاب خرج من أوار الحرب قائداً ميدانياً ليس له سابق وجود في أي ميدان من ميدان السياسية أو الشأن العام حتى في دافور مسقط رأسه. و كان قد عاد من قبل مساعداً لرئيس النظام المخلوع عقب اتفاقية ابوجا للسلام 2006 ومن ثَّم خرج مغاضباً إلى سوح القتال وإن تكن المواجهات العسكرية بينه والنظام قد تقلصت من زمن طويل وبقي يمثل حركته في شخصه من جوبا بينما ذهبت قواته تقاتل في صراعات عابرة للحدود حتى عاد بعد ثورة إلى أرض الوطن باتفاق جوبا للسلام الذي ضم حركات وفصائل عدة ومنح ما نسبته 40 في المائة من السلطة في إقليم دارفور لمكونات مسار دارفور بنص الاتفاق تحدوه امال الحكم إلى جانب أعداء الأمس السابقين وقد تغيرت ملامحهم ومواقعهم من أعداء في معارك (الخلاء) إلى شركاء أساسين في سدة حكم الحكومة الانتقالية وصناعي قرارات مهابي الجانب. ولم تكن حركته (حركة تحرير السودان) بعد انشقاقها من عن الحركة الأولى التي ضمت عبد الواحد محمد نور بالمقارنة بوزن الحركات المسلحة الأخرى حركة كبيرة بل حركة ذات خلفية قبلية مقاتلة لم تخرج من أي تنظيم سياسي أو عسكري كحركة العدل والمساواة وبالتالي كان وجودها في المسرح السياسي ضعيف بافتقارها الى رؤية أو برامج سياسي في الحرب أو السلم. وبهذا كانت شخصية حركته من شخصيته التي يجمع المراقبون على انطوائها على براغماتية لا تميل كثيراً الى المناورات السياسية بحكم تكوينها القتالي.
ولكن كيف يستقبل سكان دارفور ابنهم وقد عاد حاكماً بعد عقدين من اندلاع الأحداث الدامية؟ فمن المؤكد أن أوحي التعيين بالمنصب كثمن قبض استحقاق حرب لفت الكثير بانتهاكاتها الفظيعة وحجم ضحاياها وليس حصاد ثمار النضال؛ فقد أصبح من المألوف في نتائج مفاوضات دارفور مع السلطة في قسمة المناصب بتعيين قادة الحركات في مناصب. فكل اتفاقية سلام تنتهي وفق صيغة تقاسم السلطة والثروة إلى مناصب شكلية كمساعدين في القصر أو مناصب وزارية تلبي حاجات الشخصيات الطامحة إلى سلطة المناصب وامتيازاتها أكثر من معالجتها لجذور المشكلات وحدث هذا مع كل قادة الحركات الموقعة فما المناصب السابقة في اتفاقيات سلام دارفور كالسلطة الانتقالية لدارفور برئاسة الدكتور التيجاني سيسي إلى منصب الحاكم الجديد بأمر حكومة الثورة مناوي إلا تعبيرا عن هذا المعالجات الهشة. وللمنصب الدستوري في دارفور معنى وتفسيرات أخرى في الواقع الدافوري بكل مكوناته القبلية المتحاربة بين أن يكون الحاكم من أبناء الإقليم أو من خارجه وإلى أي قبيل ينتمي إلى آخر موازنات ومحصصات المناصب في سياسة ترضيات المركز التي ترى الحل السحري في مشكلة دارفور يكمن في تعيين حاكم من أبناء الإقليم منذ أيام أول حاكم لدافور احمد إبراهيم دريج كأول حاكم للإقليم من أبناء دافور في مطلع ثمانينات القرن الماضي. وهنا تمكن مشكلة التعامل مع إقليم دارفور في السلم والحرب من قبل السلطة المركزية باعتبارها كتلة صماء على الرغم من تباين وتفاوت مسافات مكوناتها السكانية من المركز ورؤيته الثقافية (العنصرية) التي عادة ما تقوم على تصورات العقل الجمعي في التصنيف ولم تخلو حتى مشاكسات النخبة فيما عرف بجدلية الهامش والمركز من هذا التصور النمطي. ولكن في داخل هذا الكيان المهمش كما يرصد الباحث اليوغندي المهتم بالشأن الدافوري البروفيسور محمود ممداني هناك تهميش مزدوج Double-marginalization يطال أحد مكونات العناصر السكانية المتهمة بالتهميش، فالكل مهمش!
وفي سباق تنازع سلطات الولايات بين القبائل ومطالبات كل مجموعة بولاية ومحافظة ومحلية مستقلة بمفهوم الحواكير والنظارات الأهلية وفق قانون حيازات الأرض العرفي في دافور منذ قانون دالي مضافاً إليه ما قسمه نظام الحكم الفيدرالي 2005 الإقليم إلى عدد من الولايات (الأقاليم) من إقليم واحد إلى خمس ومثلها من الولاء أو الحكام، وقد زاد هذا الاتساع التقسيم الجغرافي والإداري من حدة صراعات حدود مناطق القبائل مما يجعل من الاعتراف والتعامل مع أي حاكم قادم أمر تساوره الشكوك في قدرته على ممارسة كامل سلطاته على مساحة بهذا القدر من التداخل سلطات. فالحاكم الجديد لا يحمل صفة مدنية وحسب، بل مقاتل له عدته وعتاده العسكري وقوة ضاربة لم تدمج بعد في الجيش الوطني كما تنص الاتفاقية على ثلاث مراحل مما يرشحها للعب دور يتعدى بطبيعة حراسة الحاكم وحاشيته. فالقادة ممن يطلق عليهم رجال الحرب والسلام ومناوي منهم لابد أنهم يقرأون التاريخ من حيث نتائج المعارك لا المراحل التي تتطلب وخاصة ما بعد الحرب الإرادة السياسية في تحقيق السلام بكامل استحقاقاته، وإلا انتهى حاكم دافور الجديد الى حاكم على ما ذكر الرحالة الشهير محمد بن عمر التونسي في زيارته لدافور على أيام سلطنة دارفور في القرن التاسع عشر في كتابه الموسوعي (تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان) واصفاً السلطان وطبيعة حكمه ” …ولِملِكَهِمْ السلطنة التامّة عليهم فإذا قتل منهم ألوفا لا يُسأل لماذا وإن عزل ذا منصب لا يسأل لماذا فهو تامّ التصرف في كل امر يريده وإذا أمر بأمر لا يُراجَعُ فيه ولو كان منكراً إلا من قبيل الشفاعة ولا تردّ له كلمة لكنه إذا فعل ما لا يليق من الظلم والعسف تحصل له بغضاء في قلوبهم ولا يقدرون له علي شيء”، أنتهى الاقتباس.
نشر _صحيفة الديمقراطي# بتاريخ 12 السبت/يونيو 2021م

 

anassira@msn.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!